المزيد

نهاية العصر الأمريكي: من البحرين إلى المستنقع الذي غرق فيه ترامب

 

بقلم :يوسف حسن

كان واضحاً منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية أن العصر الأمريكي سينتهي يوماً. لكن ما يذهل المرء هو أن تأتي النهاية بهذه السرعة. مجلة «الأتلانتيك» ترى أن ستة أشهر من الحرب مع إيران كانت كافية لتكشف أن صورة القوة الأمريكية — بأفضل الأسلحة، وأكثر الجنود تدريباً، وشبكة القواعد العالمية، والتحالفات الدبلوماسية — لم تعد كافية أمام خصم يُفترض أنه أقل تطوراً. المفارقة أن الفرضية نفسها التي بُنيت عليها القوة الأمريكية صارت ثغرة: جيش لا يملك دفاعاً فعالاً أمام أسلحة رخيصة تُنتج بكميات كبيرة وبدقة.

 

سقوط عقيدة كارتر

 

منذ 1980، كانت واشنطن تعتبر نفسها ضامنة حرية الملاحة في الخليج. لكن في هذه الحرب، بقيت إيران صامدة حتى بعد فقدان قياداتها. صواريخ وطائرات بدون طيار عبرت الدفاعات الأمريكية وعطّلت كثيراً من منشآت واشنطن. بعد أسبوعين فقط من بدء الحرب، تعرضت 17 قاعدة ومنشأة دفاعية ومركزاً دبلوماسياً أمريكياً للاستهداف؛ من مقر الأسطول الخامس في البحرين إلى قواعد علي السالم وعريفجان وبوهرينغ في الكويت. لم يكن الأمر تحذيراً، بل واقعاً.

 

البحرين: التراجع إلى دييغو غارسيا

 

أهم سبب لعدم تصعيد ترامب للحرب في الصيف كان فقدان قاعدة البحرين. خط الإمداد اللوجستي للأسطول الأمريكي اضطر إلى التراجع حتى دييغو غارسيا، الجزيرة البريطانية التي تبعد 3200 كيلومتر عن مضيق هرمز. بقيت حاملة الطائرات أبراهام لينكولن أشهراً في البحر، مع روح معنوية منهارة وقلق العائلات من الانهيار النفسي للطواقم. قال الأدميرال كادل عن العودة إلى البحرين: «إن كنت صادقاً تماماً، فلن نعود قريباً.» أصبحت المنشآت الأمريكية قرب إيران شديدة الهشاشة، وكلفة إصلاحها مرتفعة لدرجة أن مسؤولين أمريكيين قد لا يريدون إعادة بنائها أصلاً. لكن الحقيقة الأقسى أن الجيش الأمريكي غير قادر حالياً على الدفاع عن منشآته الرئيسية حتى أمام خصم أقل تكنولوجياً مثل إيران.

 

غرب المحيط الهادئ يفرغ

 

لإكمال الحرب، سحبت أمريكا معدات حيوية من غرب المحيط الهادئ. حاملة الطائرات جورج واشنطن، ومقرها اليابان ومهمتها ردع الصين، أُرسلت إلى البحر العربي. أي أن الردع أمام الصين تضاءل بشدة. في الوقت نفسه، كانت مخزونات تاد وباتريوت وتوماهوك حتى نهاية أبريل منخفضة بشكل خطير. العودة إلى مستويات ما قبل الحرب ستستغرق سنوات، وحتى تلك المستويات تبدو ضعيفة في عصر الطائرات بدون طيار المنتجة بكميات هائلة. أمريكا اليوم لا تملك تقريباً أي صناعة سفن مدنية. الصين تنتج 50% من سفن العالم و80% من الطائرات بدون طيار. لخوض حرب طويلة مع الصين، لا معدات كافية، ولا مخزونات، ولا قوات مرتاحة.

 

الحلفاء: من رأس مال إلى عبء

 

اليابان وكوريا الجنوبية هما ثاني وثالث أكبر قوة في بناء السفن عالمياً، لكن واشنطن تراهما «راكبين مجاناً». ترامب ينتقد كوريا الجنوبية ويمدح كيم جونغ أون. في أوروبا، سحب 5000 جندي من ألمانيا، والتقارب مع بوتين، والابتعاد عن الديمقراطيات، وسّع الفجوة. ألمانيا تدرس مساعدة بريطانيا في تحديث سلاحها النووي، حتى يكون لأوروبا ردع إذا رحلت أمريكا. وكندا تواجه تهديد الضم كولاية 51 وحرباً تجارية مدمرة. الخلاصة أن الحلفاء القدامى لم يعودوا رأس مال، بل أصبحوا عبئاً.

 

ترامب في المستنقع: أزمة نفسية لا استراتيجية

 

ترامب يحتاج إلى انتصار. ليس بالضرورة انتصاراً حقيقياً؛ يكفي أن يكون إعلامياً ورمزياً. لكنه لا يجد طريقاً لصناعته. لقد وقع في حرب لا يستطيع الانتصار فيها ولا الخروج منها. في مثل هذه المواقف، يميل إلى صعود سلّم التصعيد واتخاذ قرارات أكثر خطورة. أزمته نفسية أكثر منها استراتيجية. يقرر بالغريزة، لكن قراراته استراتيجية. والمشكلة أن غريزته تجاه إيران أثبتت أنها خاطئة تماماً. كما فشل الضغط الاقتصادي الذي وُعد بأنه سيُسقط إيران. المجتمع الإيراني يتحمل الضغط بهدف الانتصار. كتب أحدهم: «نحن نتحمل الضغط من أجل الانتصار؛ فقاتلوا أنتم أيضاً بهدف الانتصار.»

 

إيران جاهزة: مفاجآت وتردد قاتل

 

في الأشهر الماضية، ضربت إيران استباقياً كلما توفرت معلومات عن حشد قوات أو معدات للعدو. في الأردن استهدفت جنوداً أمريكيين، وطائرات مأهولة ومسيرة، ومخيمات سرية للقيادة المركزية في الكويت والبحرين. عندما تدمّر البنية التي يريد العدو استخدامها قبل استخدامها، تكسب وقتاً وتؤخره عن خطته. إذا كان لهذه الجولة اختلاف، فهو أنها ستكون أكثر تركيباً وتعقيداً. الأمريكيون يقاتلون لتحديد مصير إيران؛ وإيران تقاتل لاستعادة الردع. أمنياً، الوضع حساس. إسرائيل لم تعد تخفي رغبتها في إشعال فوضى مسلحة داخل إيران. محاولات إضراب في كردستان، هجمات على شخصيات سنية بارزة، صدامات متعمدة حول الحجاب، اغتيالات في المستويات الوسطى، وتهريب أسلحة وذخائر. كلها سيناريو واحد: خلق حدث أمني داخلي ثم دمجه بهجوم عسكري خارجي. لكن إيران جاهزة.

 

لديها مفاجآت عسكرية، ولن تتردد في توسيع الحرب إلى جغرافيات جديدة، وتملك أدوات لم تكن تملكها سابقاً. وتذكروا: «التردد هو أخطر سم في الحرب.»

 

العالم يعيد ترتيب نفسه

 

باكستان وتركيا والسعودية وقّعت ميثاق دفاع مشتركاً. عُمان تقترب من طهران، ودول خليجية أخرى تمد يدها إلى إيران. السعودية تعيد النظر في تحالفها بعد أن قال ترامب إنه لن يساعد في حرب الحوثيين. كوريا الجنوبية تحسّن علاقاتها مع الصين، وأوروبا تفكر في تحالف دفاعي قاري. هذه مؤشرات قوية: دول العالم تفقد ثقتها بقدرات أمريكا — وبِنواياها.

 

انتهى العصر الأمريكي. لا يمكن للهيمنة العالمية الأمريكية أن تستمر من دون الموارد التي صنعتها. هذا لا يعني بالضرورة أن عصر الصين بدأ؛ فالصين لديها مشاكلها، والهند تنمو. لكن العالم قد يدخل مرحلة شديدة الاضطراب من الحروب والمنافسات. كل القوى العظمى في التاريخ آلت إلى الأفول. وصعود شرق آسيا كمركز للإنتاج الاقتصادي العالمي كان دائماً سيقلل نفوذ أمريكا. الحرب مع إيران كشفت هذه الحقيقة فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى