اذاعه و تلفزيون
فى شارعنا حداد اثم

الاديب وكاتب صدى الاهرام
د.م طارق عيد
كان الليل قد أطبق على الشارع ككفن أسود حين تسلّل الصبي المساعد للحداد (تيمور) من فراشه الخشن في الغرفة الخلفية للورشة، وحين تأكد أن أنفاس الحداد لم تعد تُسمع من خلف باب غرفته، دبّ على أطراف أصابعه كقطّة تمشي على زجاج. لم يكن يتسلل ليلة واحدة.. بل ليلاتٍ مضت فيها يحصي خطوات الحداد ويُراقب عينيه كلما دنا من الصندوق الحديدي الملصق بالجدار الخلفي، حتى أيقن أن خلف هذا الصندوق سرّاً لا يريده أن يعرفه أحد.
أضاء كشاف هاتفه المحمول ووجّهه نحو الأرضية خلف الصندوق، فأزاحه بمقدار حذائه وقدّم صدره كمن يدفع جداراً، حتى انكشف الغطاء الحديدي المربع المدفون في الأرضية. وقف لحظة يحدّق في الفتحة السوداء كمن ينظر إلى حفرة لا قاع لها، ثم أنزل نفسه ببطء على درجات معدنية صغيرة متآكلة، وكلما نزل ازدادت رطوبة المكان واشتدت رائحة الصدأ والعفن.
وصل إلى غرفة ضيقة أسفل الأرض، جدرانها من الحجر القديم لا تُرى تفاصيلها إلا تحت ضوء الكشاف المرتعش، وكانت في أحد جدرانها ست شاشات صغيرة مرتبة كعيون مفتوحة، وعلى منضدة خشبية دفتر صغير وأقلام وأدوات لا يعرف لها اسماً، وبجانب الدفتر ورقة كبيرة مطوية بعناية فتحها تيمور بيدين مرتجفتين فإذا بها خريطة مرسومة للشارع بأكمله بدقة مُذهلة، وبعض البيوت محاطة بدوائر بالقلم الأحمر وأخرى بعلامات استفهام صفراء كأن أحداً يضع أصابعه على رقاب السكان واحداً واحداً. وقف مبهوراً يلتفت حوله كمن دخل قبراً فوجد فيه حياة، ثم لاحظ في الجدار المقابل باباً خشبياً عتيقاً مُغلقاً بمزلاج حديدي صدئ، لم يستطع أن يُخمّن إلى أين يؤدي.
في البيت المقابل، كان (عبدالقادر) يعد كوب الينسون للشيخ (عبدالحق) الذي جاءه بعد صلاة العشاء ووجهه لا يخفي ما عاناه في اليومين الماضيين، جلسا في صالة البيت الضيقة والمصباح يرتعش ضوؤه خلف ستارة القماش الرقيقة.
قال (عبدالقادر) مناولاَ الكوب:
– شيخ أصيل… بقاؤك في هذا الشارع صار مُكلِفاً ومُحرجاً… أقترح أن تنتقل للإقامة عندي هذه الفترة حتى يُفصل في أمرك.. هل تبقى في المسجد أم تُنقل إلى غيره… البيت ضيق لكنه آمن
هزّ الشيخ رأسه ببطء وابتسم ابتسامة ذابلة:
– جزاك الله خيراً… لكنني لن أترك مسجد الشارع… هذا المكان ليس ملكي حتى أرحل عنه، وهو ليس ملك المَعلِم صبري حتى يُخرجني منه… المسجد لله والناس…
ساد صمت دافئ بينهما، ثم قال (عبدالقادر) وهو يُقلّب كوبِه:
– شيخ… بما أننا نتحدث عن أوراق قديمة وأسماء يهودية وتراث يعود لمئات السنين… أريد أن أسألك عن موقف ديننا من اليهود أوبني اسرائيل… فقد سمعت أنهم كانوا يعيشون بيننا في هذا الشارع ذات يوم
أطرق الشيخ لحظة ثم قال:
– بنو إسرائيل قومٌ ذُكِروا في القرآن كثيراً… وقصتهم معروضة علينا بلا تجميل.. قتلوا الأنبياء بغير حق، وحرّفوا كتبهم، وعبدوا العجل، وسخّروا أنفسهم لشهوات المال والسلطة… لكن ربنا لم يأمرنا بقتلهم مجردين من ذنب، بل قال “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتُقسطوا إليهم”
أومأ (عبدالقادر) وقال:
– لكنهم قوم لا يحبون المسلمين.. هذا ما ألمسه في كل ما قرأت.. كذلك فإن في بعض قصصهم ما يوافق قصص القرآن
أجاب الشيخ:
– صدقت… وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم “حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج”… يعني اقرؤوا قصصهم واعتبروا بها، لكنه قال أيضاً “لا تُصدّقوا أهل الكتاب ولا تُكذّبوهم، فقد يكون حقاً فتُكذّبوه، وقد يكون باطلاً فتُصدّقوه”… يعني خُذوا ما وافق الحق واتركوا ما خالفه… نبؤهم ذُكر في القرآن لنتعظ لا لنقلّدهم، ورأيي أن الأفضل هو تجنّبهم والابتعاد عنهم، فقلوبهم مُقلوبة وأيمانهم مُعلّقة بمنفعة
في بيت (لبنى)، كانت (ليان) تجلس على الأرض ترسم في دفترها بألوان الشمع، و(ميخائيل) يقف عند عتبة باب البيت يحمل كيساً ورقياً صغيراً، ابتسم للطفلة وقال:
– ليان… جئتك بشيء يحبه كل الأطفال
مدّ يده فأعطاها علبة بسكويت مغطاة بصور شخصيات كرتونية، ففرحت الطفلة فرحاً لم تره منذ أسابيع، وركضت إلى أمها قائلة:
– ماما انظرِ! عمّو ميخا أعطاني حلوى!
نظرت (لبنى) إلى (ميخائيل) بنظرة امتنان خجولة ثم قالت:
– ما كنت تحتاج لذلك يا أستاذ ميخائيل… يشرفني وجودك
وقف (ميخائيل) بجانب الباب ولم يتجاوز عتبته، ثم قال بنبرة هادئة:
– ليان بنت ذكية ومؤدّبة واحبها مثل ابنتي كارولين… أعلم أن والدها لا يُرسل لها شيئاً منذ سافر… وقطعاً الأمر صعب عليك.. لكنك لست وحدك.. كلنا هنا في الشارع جيرانك وأهلك ..
التفتت (لبنى) بوجهها نحو كومة من الملابس التي كانت تطويها قبل مجيئه ولم تُجب، فأضاف (ميخائيل) بحذر:
– نادية زوجتي حكّت لي يوماً إنكِ في المدرسة لم تكوني تُصلّين مع المسلمات… وان أمك كانت مسيحية..
ارتبكت (لبنى) وساد صمت خفيف كأن الهواء توقّف عن الحركة، ثم التفتت إليه وقالت بصوت مسطّح يحاول أن يبدو عادياً:
– نعم… أمي كانت مسيحية كاثوليكية… تزوّجت أبي المسلم في فرنسا حين كان يعمل بالسفارة المصرية… كانت قصة حب قوية جمعتهما هناك… كنتُ صغيرة وكنتُ لا أعرف شيئاً عن الإسلام، وحسبتُ أنني مسيحية مثلها
وقف (ميخائيل) صامتاً ينتظر، فأمسكت بقميص وأكملت وهي تُقلّب طيه بين أصابعها:
– حين كبرت ورجعنا إلى مصر في المرحلة الثانوية بدأت أعرف عن الإسلام.. ديانة أبي… لكن الأمور لم تكن كما تبدو للناس… لا أحد يعرف كيف عشنا تلك السنوات..
تردد (ميخائيل) لحظة، وكأن شيئاً ما دفعه إلى الأمام ليكمل سؤاله، لكن عينيه اصطدمتا بوجه (لبنى) الذي كان قد تبدل فجأة.. ذلك الوجه الذي كان قبل لحظات ليناً ممتنّاً، صار كقناع من خشب لا يسمح لأي عاطفة بالنفاذ.
أدارت رأسها نحوه ببطء، وابتسامتها ما زالت مرسومة على شفتيها لكنها لم تصل إلى عينيها…
– أتحب أن تعرف أكثر يا أستاذ ميخائيل؟ قالت بصوت أصبح فجأة بارداً مسطّحاً، كأنها تقرأ نشرة جوية لا تعنيها، ولم تنتظر جوابه، واستكملت:
– أنا الآن مسلمة وأصلي وأصوم وأقرأ القرآن… اخترت ذلك بنفسي حين كبرت بعدما كنت أهرب من صلاة المسلمين في المدرسة لأنني كنت حائرة وتائهة، ولم أكن أعرف كيف أصلي.. لقد تعلمت الفاتحة في سن السادسة عشرة…
صمتت لحظة، ثم أضافت ونبرتها لا تحتمل المزيد:
– هذه حياتي يا أستاذ ميخائيل.. ليست مادة للبحث في متحف، ولا أنا قضية تحتاج إلى محقق
ارتسم على وجه (ميخائيل) ارتباك واضح، وفتح فمه ليعتذر، لكنها رفعت يدها كمن توقف حركة مرور:
– لا تعتذر ارجوك.. أنت انسان ورجل طيب، أعرف ذلك.. وانت جار عزيز يشعر بجيرانه… ونادية زوجتك زميلة عزيزة احترمها وأقدرها… لكني لا أريد منك شيئاً…
توقفت، ثم قالت بصوت هبط فجأة كمن يخلع قناعه:
– أريد منك شيئاً واحداً فقط… أن تشعرني بالأمان… أن أمر في الشارع فأراك فلا أخاف… أن أنام ليلاً وأعلم أن هناك رجالاً قلوبهم بيضاء بجوار بيتي لن يتركوني وحدي إن سمعوا ندائي أو نداء ابنتي… حتى لو كان هذا الأمان مزيفاً… حتى لو ما فعلوا شيئاً… فلا تسلب مني هذا الوهم…
سكتت.. كان صدرها يرتفع وينخفض بسرعة، وعيناها تحدقان في عينيه كمن يرمي حجراً في بئر وينتظر الصدى…
لم يجد (ميخائيل) كلمة، فأدار وجهه نحو (ليان) التي كانت قد توقفت عن الرسم ورفعت عينيها الصغيرتين تتنقل بين أمها وجارها كأنها تشاهد فيلماً لا تفهم أحداثه، وهمس (ميخائيل):
– سامحيني… لم أقصد أن أؤذيك… لن أسأل مرة أخرى
أدار ظهره ومشى نحو الباب، ثم توقف للحظة كأنه يريد أن يقول شيئاً، لكنه أكمله صامتاً، وانطبق الباب خلفه بهدوء، وبقيت (لبنى) واقفة مكانها تسمع صرير القفل وهي تهمس لابنتها دون أن ترفع عينيها عن الخشب المصمت:
– تعالي يا حبيبتي… لا أحد سيدخل من هذا الباب دون أن نأذن له
ابتسمت (لبنى) وربّتت على رأس ابنتها، لكن عينيها كانتا تحملان ما لا تُبديه الشفتان… الحقيقة المحفورة في صدرها… أباها كان مسلماً ويعلم أن أمها يهودية بنت يهودية، لكنهما اختارا أن يُعلنا أنها مسيحية حتى تعيش في مصر بسلام بعد أن هاجرت جدتها (راحيل) وجدها (ألبير) إلى دولة (إسرائيل) وماتا هناك… حقيقة لم تبح بها لأحد وعاشت تحملها كحجرٍ في صدرها. تبددت الابتسامة تدريجياً، فقد كانت تعرف أن الحاجز الذي بنته اليوم بينها وبين جارها الطيب أصبح سميكاً لا يخترقه سؤال، وثقيلاً لا ترفعه يد، وقد شعرت للحظة بأنها لم تدفعه بعيداً عن أسرارها فحسب، بل دفعته بعيداً عن روحها التي كانت في أمس الحاجة إلى من يسمعها دون أن يحكم.
في أعماق الأرض خلف الورشة، وقف (تيمور) أمام الباب الخشبي العتيق ويده ترتجف وهي تمسك المزلاج الحديدي الصدئ، حاول أن يُحرّكه فاهتزّ صدئه لكنه لم يلن، فأعاد المحاولة بكلتا يديه حتى بدأ يتخلخل، وفي تلك اللحظة بالذات انطفأ كشاف هاتفه فظلم المكان كأنه ابتلعه ليل دامس، ثم فجأة… أضاءت الأنوار.
شعاع أبيض قاسٍ ملأ الغرفة كشمس انفجرت من لا مكان، فاستدار (تيمور) مرتبكاً فوجد الحداد واقفاً على الدرجات المعدنية أعلاه، وعيناه تلمعان في الضوء كعيني ثعلب رأى فريسته تسقط في الفخ، فارتعدت أصابع (تيمور) وسقط هاتفه المحمول من يده ليرتطم بالأرضية الحجرية وتتهشم شاشته كأنها مرآة تحطمت على حجر الحقيقة.
لم يتكلم الحداد، بل أخذ ينزل الدرجات ببطء، وكل خطوة تئن تحته كأنها تنعى ما هو آت، وفي يده اليمنى كانت مطرقته الثقيلة، تلك التي طالما أيقظت بها الشارع صباحاً، وفي حزام بنطاله كان خنجر قصير غائر في غمده الجلدي، يلمع مقبضه العاجي تحت الضوء كسن ناب ينتظر الفريسة.
– تيمور… قالها الحداد بصوت هادئ مخيف، كمن يلفظ اسماً على شاهد قبر..
خطا (تيمور) إلى الخلف حتى التصق ظهره بالباب الخشبي الذي حاول فتحه قبل لحظات، ويداه تبحثان خلفه عن مخرج لا وجود له، وفمه يهمس بكلمات لم تخرج: “أنا لم أرَ شيئاً… لم أرَ…”
وقف الحداد على بعد خطوة من الصبي المرتجف، ورفع المطرقة عالياً، فانساب الضوء على وجهها الحديدي كدمعة جامدة، ثم هوى بالمطرقة على رأسه.

