اذاعه و تلفزيون

فستان أبيض بلا زفاف

عبير جلال

فستان أبيض بلا زفاف
في ليلة هادئةإنه تاريخ لا يُمحى
من الذاكرةاكتشفت فيه كم كنت حالم
جلست على أطراف كرسي الهزاز
يترنح برشاقة بجسدي المنهك
جالت أفكاري في مسبح ذاكرتي
نظرت في مرآتي نظرة بدقة
تأملت تلك الخطوط التي
نُقشت على وجهي
لوحة تتسلل منهاحسرة على أحلام محطمة
نظرت لخزانتي نظرة كلها أمل
فتحتها بكل رقةتسلل لأنفاسي
عطر يحمل الذكرياتت
تنسال من بين ملابس مطوية بعناية
وكأن الزمن لم يمر بها
وقفت للحظة أنظر
لذلك الغطاء الأبيض
المعلق في أقصى الزاوية
أتساءل ماذا يخفي تحته
مددت يدي برعشة ثم تراجعت
كأني أخشى أن أوقظ
ألمًا قد دفنته طويلًا
مددت يدي برفق
أخرجته ببطء
نظرت له بنظرة لها الف معنى
نظرة تعتصرحزنا
فستان أبيض طويل
هادئ كحلم مبتسم
تنساب أطرافه برقةبين يديّ
لمسته برفق وكأنه لم يُخلق للحزن يومًا
ابتسمت ابتسامة هادئة
جلست على حافة فراشي
أتأمل تفاصيله الصغيرةوخيوطه اللامعة
عند الصدر ورود مطرزة على الأكمام
وخيوط خيطت بفرحة مؤجلة
وطرحة تخيلت لبسها
يتزين شعري ويتطاير بها
وأنا أخطو خطوات مرتبكة
لبداية حياة جديدة
كنت صغيرة عندمابدأت أحلم
بذلك اليوم
كانت دقات قلبي تتسارع
ترقص برقة على أوتارسعادة غامرة
وأنا أجمع صورفساتين الزفاف من المجلات
كنت أكتب اسمي بجوار اسم من أحب بجوارها
تخيلت أنه سوف يأتي ذلك اليوم
يبادلني الحب المؤجل بداخلي
كنت أؤمن بأن الحب يشبه الروايات
التي أقرؤهاوأن الفستان الأبيض
بداية سعادة لا نهاية لها
مرت السنوات وكبرت وكبر حلمي معي
دق بابي ذلك الرجل كنت أظنه الأمان
صدقت عهود حبه
أحببته بقلب طفلةوُلدت لحبه
أخلصت له عشقته بصدق
لم آخذ حذري منه
ظننته ملاكًا بريئًا كقلبي الذي أحبه
كنت أخبئ الفستان
كل فترة أنظر له
ألمس قماشه بخجل
أضحك وحدي متخيلة
نظرة حبيبي لأول مرة للفستان
أتخيل أول رقصة
أول كلمة “أحبك”تُقال أمام الجميع
أتخيل العرس وجماله
ألحان الموسيقى تعزف
أنغامًا يتراقص عليها الجميع
انوار تزين المكان
كؤوس الشراب توزع
الضحكات تنطلق من القلوب
فرحةبعرسي مع من أحب
لكن الأيام لها وجه آخر
ليست كما نشتهي
تبدلت الوعود شيئًا فشيئًا
تغيرت نبرة الصوت
أحاديث عاديةنتبادلها
صارت مدة الغياب أطول
تسلل البرود لمشاعره
قلّ الاهتمام الذي
كان يملأ قلبه
يتحول إلى صمت مطبق
على أحلامي التي نسجتها
في ليلة لم أنسها أبدًا
إكتشفت أن بعض الرجال
يجيدون الحديث عن الحب
لكنهم لا يعرفون الوفاء له
ليس جمال البدايات كألم النهايات
سقط شيء بداخلي
لم يره أحدتحطم اماني
على صخرة التلاعب بالمشاعر
لم أبكِ، لم أصرخ
فقط شعرت أن
فستاني المعلق في خزانتي
تحول فجأة لشاهدعلى موت أحلامي بداخلي
مرت السنوات وبقي فستاني الأبيض
كما هو بنقاء قلبي البريء
لكنني لم أعد كما كنت
كلما حاولت نسيانه
عادت لي الذكريات
كأنها ترفض الرحيل عن ذاكرتي الحزينة
نظرت لفستاني
سمعته يحتفظ بصوتي القديم
بضحكتي التي ماتتقبل أن ترتديه
أحيانًا كنت أفتحه لثواني
نألمسه برفق وأغلقه سريعًا
وأحيانًا أضمه لصدري
أعتبره جزءًا بداخلي
وأبكي بصمت
دموعي تنهمربداخلي
لا على رجل رحل
بل على فتاة بريئةكانت تصدق الأوهام
في تلك الليلةوقفت أمام المرآة
رفعت فستاني أماميي
وضعته على جسدي بحنان
اتأمل إنعكاس صورتي
تأملتها طويلًاهمست بصوت مرتفع
،،لم ينقصني الفستان،،،
،كان ينقصني قلب لا يخون،،
أعدت فستاني مكانه بهدوء
أغلقت خزانتي ببطء
لم أشعر هذه المرة بانكسار
لكنني أدركت أخيرًا
أن بعض الأحلام لا تكون
لأننا ضعفاء بل لأننا نستحق
نقاءقلوب تعرف الحب وتخلص له
حتى يكون جمال البدايات
مثل النهايات الرائعة
بقلم / عبير جلال

عرض أقل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى