تجريم مناهضة الحرب: محاكمة الرأي في قوانين الجرائم ضد الدولة (قراءة في قضية دارس)

كتبت هدى العيسوى
وثّق تقرير حقوقي جديد قضية المواطن السوداني عمر محمد عمر دارس، والذي جرى اعتقاله عقب وصوله إلى مطار بورتسودان الدولي في 15 مارس 2024 بواسطة عناصر تتبع للخلية الأمنية المشتركة، قبل أن تتم إحالته لاحقاً إلى محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة، حيث أُدين بموجب المواد (50) و(51) و(26) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991.
وبحسب المعلومات التي أوردتها منظمة مناصرة ضحايا دارفور، والتي استندت إلى مقابلات مع أحد أقارب الضحية ومراجعة إفادات مرتبطة بالقضية، فإن إجراءات الاعتقال والتحقيق والمحاكمة شابتها – وفقاً للتقرير – انتهاكات قانونية وإجرائية وصفت بأنها خطيرة.
وأشار التقرير إلى أن عملية توقيف عمر محمد عمر دارس تمت بصورة تعسفية عقب وصوله إلى مطار بورتسودان، قبل أن يُنقل إلى جهات أمنية للتحقيق معه، وسط مزاعم تتعلق بوجود تجاوزات صاحبت مراحل الاحتجاز والتحقيق.
كما أفادت المنظمة بأن المعلومات التي جرى جمعها تثير مخاوف تتعلق بمدى الالتزام بالضمانات القانونية المرتبطة بحقوق المحتجزين والمتهمين، بما في ذلك حقوق الدفاع والإجراءات المرتبطة بالمحاكمة العادلة.
*ملخص تنفيذي
يوثق هذا التقرير قضية المواطن السوداني عمر محمد عمر دارس، الذي تم اعتقاله تعسفياً عقب وصوله إلى مطار بورتسودان الدولي في 15 مارس 2024، بواسطة عناصر تتبع للخلية الأمنية المشتركة، قبل أن يُحال لاحقاً إلى محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة، ويُدان بموجب المواد (50) و(51) و(26) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991. تشير المعلومات التي حصلت عليها منظمة مناصرة ضحايا دارفور، من خلال مقابلات مع أحد أقرباء الضحية ومراجعة إفادات مرتبطة بالقضية، إلى وجود انتهاكات خطيرة شابت عملية الاعتقال والتحقيق والمحاكمة، من بينها:
الاعتقال التعسفي.
التعذيب الجسدي والنفسي.
الاستهداف على أساس الانتماء القبلي.
الإخفاء والاحتجاز غير القانوني.
انتزاع الاعترافات تحت الإكراه.
تجريم الآراء والمواقف المناهضة للحرب.
غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
كما توثق القضية نمطاً أوسع من الملاحقات بحق مدنيين من أبناء غرب السودان المحتجزين تحت المواد (50) و(51)، حيث تشير الإفادات إلى وجود ما بين 180 إلى 200 محتجز داخل سجن بورتسودان القومي، يواجه بعضهم أحكاماً تتراوح بين السجن لسنوات طويلة والإعدام.
أولاً: خلفية عامة
منذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، شهدت البلاد تدهوراً واسعاً في أوضاع حقوق الإنسان، لا سيما في القضايا المرتبطة بالأمن القومي والاتهامات المتعلقة بالحرب والانتماءات الجهوية والقبلية.
وخلال فترة النزاع، برزت مخاوف متزايدة بشأن استخدام قوانين الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة في ملاحقة مدنيين على أساس الانتماء القبلي أو التعبير السياسي أو الاشتباه الاجتماعي، خاصة بحق أبناء إقليم دارفور وغرب السودان. وتعد قضية عمر محمد عمر دارس مثالاً مقلقاً على هذه الأنماط من الانتهاكات، حيث تشير الوقائع إلى أن الانتماء القبلي والمواقف المناهضة للحرب شكّلت جزءاً أساسياً من دوافع الاشتباه والاتهام.
ثانياً: معلومات عن الضحية
عمر محمد عمر دارس، من مواليد الأول من يناير 1991، وينحدر من محلية عد الفرسان بولاية جنوب دارفور، وينتمي إلى قبيلة بني هلبة. عمل عمر مغترباً في دولة الكويت منذ عام 2014، وكان يدير شركة شاحنات خاصة به. وفي عام 2018 عاد إلى السودان لفترة قصيرة ثم غادر مجدداً إلى الكويت بعد شهرين. وفي مارس 2024 عاد إلى السودان بغرض استكمال وترتيب إجراءات سفره عبر برنامج اللوتري إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً: الاعتقال داخل مطار بورتسودان
في صباح يوم 15 مارس 2024، وعقب نزوله مباشرة من الطائرة بمطار بورتسودان الدولي بولاية البحر الأحمر، تم توقيف عمر بواسطة ستة أفراد يتبعون للخلية الأمنية المشتركة. وبحسب الإفادات التي حصلت عليها المنظمة، تم اقتياده في عربة “بوكس” بيضاء بعد تعصيب عينيه، حوالي الساعة السابعة والنصف صباحاً بتوقيت السودان، إلى مقر يتبع للخلية الأمنية خارج المطار.
رابعاً: التعذيب وسوء المعاملة
تفيد المعلومات التي تلقتها المنظمة بأن عمر تعرض منذ اللحظات الأولى لاحتجازه إلى تعذيب جسدي ونفسي شديد، شمل:
الضرب في مختلف أنحاء الجسد.
الركل بالأرجل.
الضرب بعقب السلاح.
الإهانات اللفظية.
الاستجواب القائم على الخلفية القبلية.
وخلال الاستجواب، سُئل المعتقل عن ولايته وقبيلته، وعندما أجاب بأنه من جنوب دارفور وينتمي إلى المكون الهلباوي، تم – بحسب الإفادة – تصعيد وتيرة التعذيب والاعتداء عليه لمدة تقارب خمس ساعات متواصلة. وترى المنظمة أن هذه الإفادات تثير مخاوف جدية بشأن الاستهداف القائم على الهوية الإثنية والقبلية، بما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمساواة وعدم التمييز.
خامساً: التحقيقات وتجريم المواقف المناهضة للحرب
بعد أسبوع من الاحتجاز، حضرت لجنة تابعة لجهاز المخابرات العامة وقامت باستجوابه مجدداً، حيث ركزت الأسئلة – بحسب الإفادات – على:
الولاية التي ينتمي إليها.
الخلفية القبلية.
آرائه السياسية.
محتوى هاتفه الشخصي.
وبعد تفتيش تطبيق “واتساب” دون العثور على ما يثبت أي نشاط عسكري أو أمني، تم الانتقال إلى حساباته على “فيسبوك” و” ماسنجر”، حيث وُجدت منشورات ومحتويات تدعو إلى وقف الحرب. وبحسب الإفادات، اعتبر المحققون أن الدعوة إلى “لا للحرب” تمثل انتماءً سياسياً معارضاً، وتم وصفه بأنه “قحاطي”، قبل أن يُقتاد مجدداً إلى ما وصفته الإفادات بـ” مكاتب التعذيب”، لإجباره على الاعتراف بالانتماء إلى قوات الدعم السريع أو الانتماء السياسي لقوى مدنية معارضة. كما تمت مواجهته ببعض الصفحات والحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، واعتبارها صفحات داعمة لجهات سياسية معارضة.
سادساً: الاحتجاز المطول والمحاكمة
في 27 مارس 2024 تم تحويل







