مقالات

الإنصرافي … حين يتحوّل الصوتُ الشعبيُّ إلى ظاهرةٍ سياسية

بقلم: عبدُ العالِ المَليجي
لم يكن (الإنصرافي) في بداياته سوىٰ صوتٍ شعبيٍّ عفويٍّ، خرج من فضاء الإعلام الرقمي في لحظة اضطرابٍ وطنيٍّ عميق. غير أنّ تحوُّله السريع إلىٰ ظاهرةٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ يكشفُ شيئاً أعمق من مجرد برنامجٍ أو شخصيةٍ إعلامية.
فالإنصرافي ليس ظاهرةً فرديةً بقدر ما هو انعكاسٌ لحالةٍ نفسيةٍ جماعيةٍ عاشها قطاعٌ واسعٌ من السودانيين في زمن الحرب. حين انهارت المؤسسات، وغابت الدولة، وتتشظتْ النُخب، بحثَ الناسُ عن صوتٍ واضحٍ يعبّر عن مخاوفهم وغضبهم وآمالهم، حتىٰ لو جاء هذا الصوت من خارج الأطر التقليدية.
لقد قدّم الإنصرافي خطاباً مباشراً، خالياً من الزخرفة السياسية، يعتمد لغة الشارع أكثر من لغة المنابر، ويخاطب الجمهور بمنطقٍ بسيطٍ وحادٍّ في آنٍ واحد. وهذا ما جعله قريباً من وجدان كثيرين، خصوصاً أولئك الذين فقدوا الثقة في الخطاب النخبوي والإعلام الرسمي.
لكن هذه الشعبية، علىٰ أهميتها، تطرح أسئلةً جوهرية:
هل يمكن للصوت الشعبي أنْ يحلّ محلّ المؤسسات؟ وهل يكفي الخطاب التعبوي لصناعة وعيٍ سياسيٍّ مستقرٍّ؟ أم أنّ هذه الظواهر تظلّ بنت اللحظة التاريخية، تزدهرُ في أوقات الأزمات، ثم تتراجعُ حين تستعيد الدولة توازنها؟
إنّ ظاهرة الإنصرافي، في جوهرها، ليست مسألة شخصٍ أو برنامج، بل علامةٌ علىٰ فراغٍ إعلاميٍّ وسياسيٍّ عميق. وحين يظهر الصوتُ الفرديّ ليملأ هذا الفراغ، فذلك يعني أنّ المؤسسات لم تقُم بدورها كما ينبغي بسبب الحرب الشرسة.
ولهذا فإنّ السؤال الحقيقي لا يتعلّق بالإنصرافي نفسه، بل بما بعده:
هل يستطيع السُّودان أنْ يبني إعلاماً مؤسّسياً قادراً علىٰ مخاطبة الناس بصدقٍ ووعي؟ أم سيظلّ المجال مفتوحاً لظواهر فرديةٍ تتقدّم كلما تراجعت الدولة؟ فالأصوات الفردية قد تملأ الفراغ مؤقتاً، لكنها لا تبني دولة. والدولة لا تقوم إلا بمؤسساتٍ راسخةٍ، وإعلامٍ مسؤولٍ، وخطابٍ وطنيٍّ يتجاوز الانفعال إلىٰ البناء.
البوستراتُ المُرفقةُ تُوضّحُ الخدماتِ غيرَ الإعلاميّةِ التي قامَ بها الإنصرافي بكفاءةٍ، مثل التكايا وتنسيقِ العودةِ الطوعيّةِ من النُّزوحِ واللُّجوءِ. كما كانت له أدوارٌ مهمّةٌ في ميادينِ المعارك، ولم يكن مجرّدَ إعلاميّاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى