مقالات
نداء استغاثة قبل أن تنطفيء المنارة

د.م طارق عيد
لن أستهل مقالي باقتباس من (الجاحظ) أو (طه حسين)، ولن أذكر أن “الكتاب خير جليس” لأن الجليس صار الآن شاشة تليفون محمول أو كمبيوتر.
الاقتباس الأنسب والأشهر للاستهلال هو للمغني الشعبي الراحل (حسن الأسمر) عندما غنى “كتاب حزين كله مآسي، تأليف زمان غدار قاسي”…
نعم.. هذا هو لسان حال الكتاب المصري الآن بمنتهى البساطة، وأتمنى ألا يكون قد ألقى بنفسه من الدور الثالث عشر وأمهل نفسه أياماً أخرى للحياة في عالم يأكل فيه القوي الضعيف بالعلم والثقافة قبل المال والسلاح.
التأليف في مصر، بالنسبة لمعظم الكُتاب، ليس مهنة، هو مجرد “تسلية مكلفة” أو “هواية بلا مردود” لا تختلف كثيراً عن الـ (بلاي ستيشن)، فمتوسط سعر الكتاب الآن حوالي مائة جنيه (100)، وهو سعر منخفض مقارنة بالتكاليف.
ونسبة المؤلف تتراوح بين ثمانية بالمائة واثني عشر بالمائة من قيمة الكتاب (8% – 12%)، أي ما يعادل تقريباً عشرة جنيهات عن كل كتاب.
الطبعة الأولى من رواية جيدة لكاتب غير مشهور حوالي خمسمائة نسخة (500)، إذن فبمعادلة فقيرة: 500 × 10 = يساوي 5000 جنيه (خمسة آلاف جنيه مصري)…
عن حوالي سنة كاملة من العمل، وعن سهر الليالي، وعن صراع مع الذات والورق والحبر أو حتى أزرار لوحة المفاتيح.
هذا المبلغ لا يساوي إيجار شهر لغرفتين وصالة في القاهرة، ولا يساوي مصروفات علاج عائلة فقيرة، وربما يفي بثمن أكياس البُن والشاي والنسكافيه التي شربها الكاتب أثناء كتابته لعمله الإبداعي.
إذا كان الكاتب المصري سيُدفن حياً تحت وطأة الأرقام، فلماذا يكتب؟
لا يكتب إلا شغوف أو عاشق لتلك الأرض الطيبة ولتلك اللغة الأصيلة الثرية، وأغلب الظن أن من يكتبون عشاق لمصر وثراها.
أديب نوبل (نجيب محفوظ) لم يكتب ليصبح غنياً، كتب لأن في داخله نهراً لا يستطيع إيقافه، ولكن المجتمع حينها كان يقرأ، وكان في مصر “جمهور أدبي” حقيقي، وكان الكتاب سيد الموقف الثقافي، وكانت مصر منارة.
المنارة لم تسقط، لكنها كادت، ولم يعد أحد يمدها بالكهرباء، فالكاتب المصري اليوم أقرب إلى “مهرج حزين”، يضحك الناس من ظرفه، ولكن قلبه يتقطع حسرات… يكتب روايات تبكي من فرط جمالها، ثم يذهب ليعمل سائقاً على سيارته الخاصة، أو موظفاً بسيطاً، أو يبيع فولاً وطعمية… المهم أن يطعم أطفاله.
من يقرأ له؟ قلة. ومن يشتري كتبه؟ أقل. وبين هذا وذاك، تموت المواهب في صمت.
هل ندرك ما معنى موت الموهبة؟ يعني أن شاباً في العشرين، لديه أسلوب (عباس العقاد) وروح (نجيب محفوظ)، سيكتشف أن “الجدوى المادية” للكتابة تساوي صفراً، فيتجه إلى دراسة الهندسة أو الطب أو أي شيء يوفر له الخبز، وسنخسر نحن أديباً كان يمكن أن يصبح سلاحاً ثقافياً لمصر في المحافل الدولية.
إنها مأساة أن نفقد العملة النفيسة النادرة. مأساة “القوة الناعمة” التي تتحول إلى قوة هزيلة لا تقوى على الدفاع عن تاريخها ورموزها وقضاياها.
أدرك جيداً أن الآداب والفنون والإبداع بشكل عام لا تقاس بالأرقام، ولكن الأرقام هي المؤشر للمستقبل وللوقت الراهن، والذي يفجعنا بنبأ “أنه مازال هناك أكثر من ربع الشعب (25%) من المصريين أميون لا يقرؤون ولا يكتبون”، وأن “نسبة من يقرأون كتاباً واحداً على الأقل سنوياً لا تتجاوز العشرين بالمائة (20%)، ومعظمهم يقرؤون كتباً دينية أو تنموية سريعة”، أما “نسبة من يقرؤون الأدب الرفيع (روايات، قصص، شعر).. ربما أقل من اثنين بالمائة (2%)”.
تخيل أنك تقف في ميدان التحرير المزدحم، وتنظر حولك فلا تجد سوى شخصين فقط من بين كل مائة شخص تراهم اشتريا رواية واحدة في السنة الماضية.
ولا ذنب اقترفه الشعب لأن الغلاء يطحنهم، والكتاب صار سلعة كمالية ترفيهية، والأولوية للخبز والدواء، كما أن الانشغال الرقمي بـ (التيك توك) و(اليوتيوب) و(الفيسبوك)، كلها أدوات سريعة تمنح المتعة دون جهد، بينما الكتاب والقراءة الطويلة تحتاج جهداً ووقتاً.
رغم ذلك لم ييأس الكُتاب وأصحاب دور النشر، وابتكروا أساليب عصرية تناسب الزمن والإيقاع السريع، فصار هناك نوادي القراءة الافتراضية على (واتساب) و(فيسبوك)، والكتب الصوتية لمن لا يملكون وقتاً للقراءة البصرية، والترويج عبر المؤثرين على (تيك توك) و(إنستغرام)، وتقلصت الطباعة الورقية وأصبحت عند الطلب لتقليل التكاليف.
أساليب جيدة.. بل ممتازة، ولكنها لا تكفي وحدها، فدور النشر المهنية والمحترمة هي التي تحاول عن كثب لأنها تدرك أن الكتاب “سلعة ثقافية” تحتاج إلى تسويق ذكي، ولكن الأغلبية العظمى من الناشرين الصغار لا تزال تتعامل مع الكتاب كأنه “أيقونة مقدسة” لا تمس، وتطبع مئات النسخ وتضعها في المكتبة وتنتظر المعجزة، ولا تأتي المعجزة.
الكاتب المصري ليس مجرد إنسان يكتب للنوادر، إنما هو ذاكرة الأمة وسلاحها الناعم، وفي عالم اليوم الحروب ليست بالطائرات والدبابات فقط، الحروب بالمسلسلات والأفلام والكتب والروايات والأغاني، فالولايات المتحدة تغزو العالم بأفلام هوليوود، وتركيا تغزو العالم بمسلسلاتها، وكوريا الجنوبية تغزو العالم بفرق الغناء والدراما، ومصر… ماذا لديها؟
لدينا تاريخ، لدينا حضارة، لدينا لغة عربية مبهرة، لدينا مبدعون وكُتاب لو أُعطوا الفرصة، لخطفوا قلوب الملايين، فلماذا نتركهم يموتون جوعى؟
إذا ضاعت مواهب مصر الأدبية والفنية، فماذا سنقدم للعالم؟ هل سنقدم له “فيديوهات تيك توك” وصوراً ممسوخة ومفبركة بالذكاء الاصطناعي؟
العبقرية المصرية الأصيلة لا تنتهي ولن ينضب الفكر في تلك الأرض وسيظل يسري كسريان النيل العظيم، ولكن العبقرية تحتاج إلى خبز أولاً.
لا أكتب لأرثي الكاتب، فهو لم يمت بعد، وهو ليس طفلاً صغيراً لا يدرك المخاطر التي سيواجهها عندما يختار هذه المهنة، ولكنني أطلب من وطني أن يفتح عينيه، وأطلب من الدولة أن تنظر إلى الكتاب كـ”صناعة ثقافية” وليس كـ”ترف”… تخفض الضرائب على الورق، وتدعم المكتبات العامة، وتُدخل القراءة الحرة في المناهج التعليمية، وتزيد من المسابقات الثقافية، وتوزع جوائزها بحيادية بلا مجاملات لهذا وذاك و”يا بخت من كان النقيب خاله”.
وأطلب من القارئ ألا ينتظر معرض الكتاب مرة واحدة في السنة ليشتري كتاباً، فليشتري الكتاب اليوم.. الكتاب لا يكلفك أكثر من وجبة طعام سريعة، ولكنه يبقى معك عمراً.
وأطلب من الناشر المحترم أن يبتكر، وأن يتعلم التسويق، وأن يخفض الأسعار قليلاً ليصل إلى أكبر عدد من القراء.
المنارة لا تزال مضيئة، ولكنها تخفت تدريجياً، وقد تنقطع الكهرباء في لحظة، فإما أن نضغط على زر الإنذار ونصلح ما يمكن إصلاحه، أو ننتظر حتى تنطفئ، فنبقى جميعاً في الظلام.
والظلام… يليق بالمقابر، لا بوطن عظيم اسمه مصر.
سلاماً لمواهبنا قبل أن تُطوى. وأملاً في نهضة لم تتأخر كثيراً.





